كان رجلاً صالحاً يحمل في قلبه تقوى وحب للعلم وأهله .. ولكنه لم يؤت حظاً كبيراً منه ..
انشغل فترة شبابه في التجارة والعمل , فجمع ثروة طيبة , وقد أنعم الله عليه بالحرص على نقاء مصادر رزقه , والبعد عن كل ما فيه شبهة ..
وأكرمه بنعمة أعظم من ذلك وأجلّ , وهي خير وأعظم نعمة يحوزها الرجل _ زوجة صالحة _ كان يريدها كذلك وحرص على أن تكون محبة للعلم الشرعي وطالبة له .. لأنه قد حرم من ذلك , فأراد أن يقترن بمن تكون نموذجاً لبنيه , ومؤسسة لهم على حبه والدعوة إليه ..
حين دخل بها زاد حبه للعلم وأهله ..
كانت حين كانت تتحدث .. يطربه حديثها لما تلقيه على مسامعه من درر ..
ولِما تتحلى به من خصال وسجايا ..
فزادت مكانتها لديه , وعلت منزلتها عنده ..
شجعها على طلب العلم وحرص على تفريغها له , وإعانتها على شؤون البيت لتجد الوقت الكافي للقراءة والبحث ..
انشغلت فترة بالعلم والتعلم .. وبدأت تقيم الدروس لجاراتها , وقريباها .. لتثبت علمها , وتزيده ..
فالعلم هو الكنز الوحيد الذي يزيد بكثرة الإنفاق منه ..
مرت الأيام ورزقهما الله بثلاثة أبناء .. غلامين وفتاة ..
وحصل لأبوهم حادث أثّر عليه .. ونتج عنه عدم قدرته على الإنجاب ..
وتوالت عليه نوائب الدنيا , فأصيب بنكبة في تجارته . وفقد جزءاً كبيراً من ثروته ..
وهذا حال الدنيا .. فما أضحكت , إلا وأعقبت ذلك الضحك بكاء..
وما صفت لأحدٍ إلا وكدّرت عليه إثر ذلك ...
كانت تلك الزوجة الصالحة خير معين لذلك الزوج الصالح .. فواسته ووقفت بجانبه , مثبتة له ومعينة ..
حتى هانت عليه مصيبته , ورضي بما قدّر الله له ..
أما الأبناء فقد فرحت هي بهم كثيراً .. ورسمت طريقهم يحدوها الأمل والثقة _بالله تعالى _ وبمعونته ..
ولطالما منّت نفسها بولد عالم ينير بعلمه دياجير الظلام .. وينفع الله به الخلق كالغيث والغمام ..
كان ابنهم الأول شبيها بوالده .. يحمل في قلبه نقاء وطهراً .. ويتسم بسمات الصالحين .. ولكن لم يؤت حب العلم والتّعلم .. بل على الأصح لم يؤت الصبر عليه والمثابرة في طلبه .. وإن كان به راغباً ولأهله محباً ومصافياً ..
مما جلب لها نوع من الحزن , وخيبة والأمل .. حتى أزال الله عنها ذلك بآية من كتاب الله تدبرتها ..
(( ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم )) ..
فكل أم تطمع أن يكون ابنها عالماً جليلاً .. وحبراً في العلم راسخاً ..
ولكن ذلك مخالف لسنن الله في خلقه ..( السنن الكونية القدرية)
فطابت نفسها لأمر الله وسكنت لمشيئته ..
سيّما حين لمحت في ابنها الثاني نبوغاً .. وحباً للعلم وصبراً عليه .. وكذلك كان الحال مع بنيتها الوحيدة ..
رعتهما وحرصت على سقي تلك البذرة الطيبة فيهما ..
مرت الليالي والأيام وكبر الأبناء ..
أما الأب فأقعده المرض وأذهب قوته .. فقام الابن الأكبر بدوره .. وأدار أعمال أبيه بنفس القدرة التي كان يدير بها هو أعماله ..
وأما أبنهما الأصغر فقد استوى على سوقه.. كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء..
كيف وقد تميّز ونبغ في العلم الشرعي .. و ملك أسلوباً عذباً في الحديث والإلقاء..
وقد لازم أحد أقارب أمه الذي يحمل درجة عليا في العلوم الشرعية . والدعوة إلى الله تعالى داخل البلاد وخارجها
..
في إحدى سفريات قريبهم ذلك لدورة شرعية خارج البلاد ..
لأحدى الدول الإسلامية التي يكثر تعداد سكانها مع غلبة الجهل عليهم وإطباقه .. وتفشي البدع وكثرة دعاتها ..
فخرج معه عبد الله ( كناية عن ذلك الابن) ليؤدي جزءًا من دوره الذي أعدته أمه له ..
وفي طريق عودتهم هبطت بهم الطائرة في مطار الرياض لوجود مسافرين على متنها هذه وجهتهم , منهم بعضاً من رفاق عبد الله وقريبه ..
وبقوا في الطائرة ريثما ينزل من يريد النزول من الركاب , ويصعد إليها من يريد التوجه إلى جدة من الرياض ..
بقي عبد الله وحيداً بمقعده بعد نزول من كان يجاوره .. ويبدو أنه قد أخذته غفوة من أثر الإجهاد والسفر ..
لم يشعر إلا بحركة بجواره ..!
فتح عينيه فإذا هو بشاب مشرق الوجه ..
ابتسم : هل أنت راكب جديد من الرياض ؟؟
عبد الرحمن (كناية عن اسم ذلك الشاب) :
نعم .. أعتذر يبدو أني نغّصت عليك غفوتك ..
لا لا لا ..أبداً ليس هذا مكاناً للراحة ..سأرتاح عندما أصل إلى المنزل ..
لفت نظر عبد الرحمن سماحة وجه عبد الله وبهاءه ..
ووجد راحة له لا يعلم مصدرها ..
سأل نفسه :
هل هي وسامته ؟؟ ثم تدارك : لاااا .. كثير رأيتهم أكثر منه وسامة ولكن لم أجد لهم تلك الراحة ..
تمتم : سبحان الله !
نطقها بصوت مسموع دون أن يشعر بنفسه ..!
التفت إليه عبد الله : هل أنت من ساكني الرياض . ؟؟
إيه .. أنا من أهل الرياض ..
عبد الله : سبحان الله كان ينبغي لي أن استنتج ذلك من لبسك لملابس الإحرام ..
أكمل : الشكوى لله يبدو أن آثار السفر قد بدت .. وهو يبتسم ..
..
أخذا يتجاذبان أطراف الحديث ..وعرّف كل منهما نفسه للآخر..
حكى عبد الله لعبد الرحمن ما جرى له في رحلته , وكيف وجد المسلمين هناك , وذكر له ما رآهم عليه من جهل وفقر وتخلف ..
مضى وقت الرحلة سريعاً .. وحين وصلا إلى المطار .. تبادلا أرقام الهواتف على وعد من عبد الرحمن بلقاء بعد إنهاء عمرته وأعماله ..
وجد عبد الله أخاه في انتظاره بالمطار , كان لقاءً حاراً فهذه أول مرة يخرج عبد الله البالغ من العمرالواحدة العشرين ربيعاً خارج الوطن , بل وأول مرة يفارق أسرته هذه المدة الطويلة ..
حين دخل المنزل وجد أمه في انتظاره .. كان يبدو عليها الفرح , و وجهها يشع فرحاً ..
كانت لحظة حميمية ساعة اللقاء .. احتضنته أمه وهي تقول : الآن أشعر أنني أنجبت رجالاً ..
وعيناها تذرفان فرحاً ..
فقد شعرت بأن بذرتها التي زرعتها , وأولتها العناية والإهتمام قد أثمرت وآن أوان قطافها ..
بعد انتهاء عبد الرحمن من أعماله ..
التقى بعبد الله في مكان تواعدا فيه .. توجها إلى شاطئ البحر , وجلسا سوياً بعض الوقت .. تعرف كل منهما على مزيداً من المعلومات عن الآخر .. وصاحبه عبد الله إلى المطار لتوديعه بعد وعد منه على زيارته في بيته في المرة القادمة ..
عبد الرحمن شاب في الرابعة والعشرين من عمره .. هو الابن الأول في إخوته الذكور . وله ثلاثة إخوة أصغر منه .. وأربع أخوات .. وترتيبه الثالث في إخوته جميعاً .. متخرج من الجامعة . ومقدم على الدراسات العليا . ولم تنتهي أوراقه بعد ..
بصفته أكبر إخوته الذكور كان والده يرسله ليقوم ببعض أعماله في الغربية ..
توطّدت علاقته بعبد الله كثيراً حتى أصبح ينزل عليه ضيفاً حين يأتي لقضاء أعمال أبيه التي تستدعي سفرات متكررة ..
وكان يزداد إعجابهً بعبد الله كلما زادت علاقته به وعرفه أكثر .. أحبه كثيراً .. وشعر بأنه مقرب جداً منه .. يجد فيه كل ما يتمناه في الصديق الصدوق .. شعر بأنه ليس صديقاً فحسب بل أخ مقرّب .. يجد الراحة في مشورته ..
والأنس بقربه ..
أشدّ ما جذب انتباهه إليه شخصيته الناضجة رغم صغر سنه .. وعلمه الغرير .. ثم طريقة تعامل أمه معه .. كان يحدثه عن أمه كثيراً ..
قال له يوماً : أتدري ياعبد الرحمن أعتقد بأنني لولا فضل الله علي ووجود أمي لما وصلت لما وصلت أليه ..
أشبهها بالمحرك في السفينة .. أترى السفينة تمخر عباب البحار والمحيطات , وربانها مطمئن البال مرتاح , ومحركها به خللاً أو ضعفاً ..
نظر إليه عبد الرحمن بإعجاب , وعقله هناك , عند أهله .. صحيح أنه يعيش في أسرة مستقرة مادياً واجتماعياً ..
ووالداه صالحان , ولكن لم يشعر يوماً بأنهما سبباً مباشراً في صلاحه .. بل الفضل بعد الله لجماعة التحفيظ التي التحق بها بناء على مشورة أحد أساتذته ..
لربما شجعته أمه , وفرحت لحفظه القرآن .. وافتخرت به في أوساط عائلتهم ومعارفهم ..
ولكنها ليست كأم عبد الله .. فليس لديها من العلم إلا ما يؤدى به الواجب ..
هاااااااه .. وين وصلت ؟ ! قالها عبد الله وهو يضحك ..ثم أردف : منه الي آخذ عقلك ؟؟ يكون حصل شيئ وما قلت لي؟؟
لا..لا.. لو حصل أكيد أنت أول واحد بيدري …
كان قد حدثه بأن أمه تبحث له عن عروس منذ ما يقارب العام .. ولم تجد مطلبها ..
انتبه .. حين سمع عبد الله يقول : تصدق الله لا يلومك .. والله إني شايل هم العرس من هلحين .. ودائما ما يتردد في ذهني , هل سأجد من توفر لي ما تعودت عليه عند أهلي ؟؟
فأنا لم أر أمي وأبي مختلفان يوماً .. ولم يكدر صفو حياتنا إلا مرض أبي .. ومع هذا لم أشعر يوماً بنقص أو ألم ..
فأمي تعاملنا وكأننا ضيوف لديها .. وهذا ما تردده : أنتم يا عيالي ضيوف عندي ومن الواجب على المضيف إكرام ضيفه .. وإن أطال الله عمري , وابتلاني بالهرم سأكون ضيفة عليكم , فأحسنوا إكرامي كما فعلت معكم ..
فنلتفُّ حولها ونحن ندعو لها بطول العمر وحسن العمل .. ودموعنا تغسل وجوهنا ..
عبد الرحمن : والله إني أغبطك على أمك يا عبد الله .. فالله الله بها .. فقليل من النساء مثلها ..
الله يعين ياخوك .. ويوفقني لبرها .. ورد جميلها .. تصدق قبل فترة تقدم لأختي عريس . من أعز أصدقائي ,
لا أدري ما ذا أصابني حين حدثني .. أول شيئ خطر ببالي أمي .. ماذا سيحدث لها .؟ هل سيفرحها الخبر ؟؟ أم ستتألم لفراق بهجة البيت وأنسه ..؟؟
ولكن حين حدثتها .. أزهر وجهها .. وقالت : يــــااااه يا وليدي والله كبرتوا وبتفرحوني .. يارب أشوفك ياعبد الله معرس وسعيد مع حبيبة القلب .. فقاطعتها : أنتِ حبيبة القلب .. وماله غيرك حبيب ..
نغزتني وهي تقول : خلها تجي بس وبعدين نشوف منه حبيب القلب ؟؟ بس لا تخاف الي يحبك بحبه , والي تحبه أنت بعد بحبه .. فهي محبوبة عندي على كل حال ..
لم ينتبه عبد الرحمن لما ذكره عبد الله إلا خبر خطبة أخته .. شعر بأن الخبر نزل عليه ثقيلاً .. لا يدري ما السبب ..
كان يسمع عبد الله يذكر أخته كثيراً .. ويتحدث عنها وعن أخيه بحب ومودة .. ولكن لا يدري لماذا ضايقه خبر خطبتها ..
-أقول ترى ما أنت بصاحي .. وراك ؟؟
ابتسم وهو يقول : الله يوفقها .. والعاقبة لك ..
- الله يجزاك خير ..لكن انتهى الأمر .. أختي لم توافق .. تقول استخارت فما وجدت قبولاً .. وانتهى الأمر رغم أنها أحرجتني مع صديقي , فلم يكن به ما يعيبه ..
اختلطت مشاعر عبد الرحمن .. هل فرح بهذا الخبر ؟؟ لا يدري كل ما يشعر به أن حملاً ثقيلاً ألقي على صدره ونزع عنه ..
وجد نفسه وبدون أن يشعر يقول : عبد الله لو تقدمت لأختك هل ستوافق ؟؟
نظر كل منهما لللآخر وهو فاغر فاه من الدهشة ..
ابتسم عبد الله : حقيقة فاجأتني .. لكن لن أجد خيراً منك لجوهرتي ..
- :عبد الله .. أتدري لي الكثير من الأصدقاء والإخوان والزملاء ولكن لم يبلغوا المنزلة التي وصلت لها .. فأردت أن أتوج هذه الأخوة بمصاهرتكم .. بل ويسعدني ذلك …
عبد الله .. لو كان الأمر بيدي يا عبود كان أهديتها لك هدية .. ليس لأنها رخيصة بل لأنك تستاهلها .. وهي تستاهلك ..
لكن الأمر بيدها وحدها .. فأعطني فرصة لأرى رأيها ..وأعرض الأمر على الأهل ..!
ثم أنت هل أخذت رأي أهلك في الأمر ؟؟
سأخبرهم وأنا متأكد بأنهم لن يمانعوا .. فأنا حدثتهم عنك كثيراً .. وأمي منذ فترة وهي تبحث لي عن عروس .. فلعلي الآن أكفيها عناء البحث ..
ثم استطرد : الود ودي تشاور الأهل هلحين حتى أكون على بينة من أمري عند عودتي للرياض . فإن لم يكن هناك نصيب فأنت أخي وصديقي .. وإن يسر الله لي عندكم نصيباً عرضت الأمر على أهلي ..
مضت الأيام المقررة لعبد الرحمن في جدة وانتهى من أشغاله .,
كانا في طريق المطار حيث قام عبد الله بإيصاله إلى المطار ..
عبد الله : عبد الرحمن لك عندي شبه بشارة !
كلمت الأهل بشأنك , وأثنوا عليك خير .. فلعل الله يختار لك ولها ما فيه الخير ..
نظر عبد الرحمن إليه .. ووجهه تعلوه ابتسامة ..
وقال : الله يبشرك بالخير..
تدري ياعبد الله أبد ما شعرت يوم عندكم إني غريب .. وكأني عند أهلي , والله من أول يوم شفتك فيه وأنا حاس إني أعرفك ..
وإنك قريب لقلبي ..
رجع عبد الرحمن إلى الرياض .. وهو يشعر بفرح عارم .. ويتساءل بينه وبين نفسه .. أيعقل أن أكون أبحث هنا وهناك وعلى مدار عام أو يزيد عن زوجة مناسبة .. ثم فجأة أجد نفسي وبدون مقدمات , وبلقاء عابر وسط الأسرة التي قدر الله أن تكون شريكة حياتي منها ..؟ !!
ترى هل هي تحمل مواصفات عبد الله التي جذبتني إليه ..؟
وهل ستكون عصامية كوالدتها . ؟؟
.
حين دخل على أهله كانت العائلة مجتمعة لاستقباله ..
وبعد العشاء جلس مع أبيه يشرح له الأعمال التي قام بها .. والمعاملات التي أنهاها له في الغربية ..
وكانت أخته عندهم .. فلها فترة لم تزرهم لبعد منطقة سكنها ..
جلس معها برفقة والدته . بعد نوم والده .. وأخذوا يتجاذبون الحديث .. وفجأة قالت والدته :
مبروك يا دحيّم لقيت لك عروس زي القمر .. مدري وش أعماني عنها وهي قدامي ..
ابتسم وهو يقول : يبدو يمة إن الخير يتبع بعضه !
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ