هنا ينسكب المداد همّّاً ..وينفث اليراع  لوعة ...

تبــاريــحي

هنا ينسكب المداد همّّاً ..وينفث اليراع لوعة ...

الثلاثاء,شباط 19, 2008




في كل عام تجتمع جموع العمّار والحجاج في بيت الله الحرام ..
ينتابني إحســاس جميل ..
ويخيل إلي أني أعيش في زمن الخلافة الراشدة..
أو الدولة الإسلامية الواحدة..
فهناك أجد الشامية والمصرية والمغربية..والليبية . واليمنية والتركية.. مع الشرق آسوية مع الأفريقية..
ومن شتى أقطار المعمورة..
يجمعهن مكان واحد ونظام واحد.. يصلين خلف إمام واحد..
فلاتمائز بين الجنسيات في المكان ولا في النظعام..
فيرق قلبي لفقيرهم وأرجو الخير من غنيهم فالكل هنا مقبل على الله ..
يرجو رحمته ويخشى سطوته.. ولكن ومع كل هذا التشابه تجدهم متباينين.مختلفين . ولذلك خلقهم..
فمنهم الهين اللّين الرحيم..
ومنهم الجلف الجافّ القاسي.
ومنهم رقيق القلب سريع الدمع ..
ومنهم قاسي القلب جامد العين..
وهي فرصة عظيمة للأختلاط بهن ومعرفة أحوالهن.
فمنهن الجاهلة المتشوقة إلى من يعلمها .. ومنهن صاحبة المنهج الخاطئ الي لم تجد من يرشدها..
ومنهن ثقيلة الهموم المحتاجة إلى يد تعينها .. وقلب يساعدها على حمل همومها..
يؤلمني من بعض نسائنا الترفع عنهن.. والتأفف من القرب منهن.. والنظرة الدونية لهن..
وبالذات ذوات الفقر والحاجة منهن..
فوالله ما ندري من المرحوم منا .. ومن صاحب السبق بالفوز من تلك الجموع..
ولكن ورد لأهل الجنة أوصاف .. كل ضعيف متضعف.. وكل أشعث أغبرذو طمرين..
ألمهم رأيت وعشت مشاهد , ومواقف متباينة..
منها العذب الفرات ..
الذي ينعش النفس ويذهب الظمأ ..
.. ومنها الملح الأجاج
..
الذي يزيد العطشان عطشاً والجرح النازف ألماً..
فأحببت أن تشاركوني
تلك المشاهد والمواقف ..
لعلنا نهتدي إلى حيلة تبقي عذوبة العذب.. وتعالج الأجاج ليعذب..
حرت وحار لبي بأيهما أبدأ..
أأبدأ بالعذب ثم ألحقه الأجاج
ليقطع تلك العذوبة ..
أم أبدأ بالأجاج ثم أتبعه الفرات
لتستلذ الأنفس مذاقه وطيبه..
ولكن هل تستطيعون تجرع تلك الجرعات من ذلك الملح .قبل أن يأتيكم العذب
..
فتزيلون طعمه به وتذهبونه..
وأستقر رأيي أخيراً ..
على
أن تكون أزواجاً ..
جرعة أجاج . بعدها لذة فرات
..
فأليكم أولها
وليعينكم الله على تحملها..
المشهد الأول
( 1
)

مالح بالغ الملوحة..

كانت إمرأة كبيرة في السن .. ومعها فتاة شابة . يبدو أن بينهما نقاش ..
سمعتها تتوسل لها : أكاد أموت من العطش ..ارحميني ..
وبعد حوار طال ونقاش شابه جدال ..
قامت الفتاة الشابة وهي تتأفف إلى الماء وأحضرت لها كاساً واحداً..شربت المرأة الكبيرة ..
ولكنها لم تلبث أن طلبت الماء مرة أخرى . في هذه المرة كان صوتها واضحاً وعالياً مما حدا بالشابة أن تتنحى عنها جانباً..
وهي تقول : ماعندي شغل غيرك .. ماء .. حمام ..
اقتربت منها : خير ياخالة تبين شيئ..
قالت : ماءيابنيتي .والله يكبدي بيقطعها الظمأ .ولا ودها تسقيني..
ثم ذكرت أنها مصابة بمرض ما .. عافاها الله ومرضى المسلمين.. تشعر معه بظمأ شديد ..
وتحتاج للدورات المياه أيضاً بكثرة بسبب كثرة الشرب..
سألتها : هل منعك الطبيب من الماء .. قالت : لا والله يقول أشربي براحتك.. بس الحمام(أكرمكم الله) المشكلة..
كانت تلك الشابة ترمقنا بالنظر ..ثم تعاود قراءة القرآن..
ذهبت وأحظرت لها ثلاثة أكواب من الماء.. وقلت لها : ماء زمزم لما شرب له . فاشربيه بنية الشفاء.. شفاء القلوب والأبدان ..
وسوف ترين الخير بإذن الله.. فلما رأت الأكواب بيدي .وأنا أشجعها على شربها. قفزت وحالت بيني وبينها ..
وهي تقول :
وثلاثة بعد..لو سمحت من حسن إسلام المرء ترك مالايعنيه..
ابتسمت لها : وأنا أخاطب تلك الأم : اشربي وتضلعي من ماء زمزم .. فإنه من علامة النفاق عدم التضلع من ماء زمزم..
( انظروا رسالة ..ماء زمزم .. لــ د/ الشريف حاتم العوني..
وإذا ودك زيادة ابشري..
وإذا على دورات المياه أنا هنا إلى بعد القيام الأخير.. ومستعدة أذهب بك إليها..
أخذت تشكر وتدعوا ..أما تلك الفتاة فقد انسحبت قليلاً وهي تتمتم : ياشين اللقافة..
فرحت بسرور تلك الأم المسكينة.. وذكرت لها أني هنا كل يوم..
وقد رأيتهم هم كذلك سابقاً..وأخبرتها بأني على أتم الإستعداد أن أذهب بها يومياً حيث تريد..
استعبرت وقالت : الله يسعدك يبنيتي.. ثم ذكرت أن هذه زوجة ابنها .وذكرت بره بها . وعنايته ..
مما سبب نفور الزوجة منها..
استطردت : أنا ألي أستاهل..
ثم ذكرت ان ابنها طلب منها أن تبحث له عن زوجة .ذات دين وأدب ..
وكان حديث عهد بالتزام..فقال لها : أريدها ذات دين لتعينني على الطريق الذي هديت إليه..وتساعدني على الثبات عليه..
تقول: فقلت لابد أن تكون قبل ذلك ابنة حمولة معروفة .. وعائلة مرموقة.. ثم نبحث دينها وأخلاقها..
بحثت وبحثت .. حتى وجدت ضالتها المنشودة .. في تلك الفتاة..
دمعت عينها . وهي تقول : دله زميله على فتاة صالحة ..
حافظة لكتاب الله.. فلما قارنت بين الإثنتين من جهة العائلة .. فإذا بهذه تفوقها حسباً فقلت : والله وأناامك مايكتبلك غيرها..

فأنا أول من اكتوى بها..
هونت عليها : وذكرت لها المقادير.. وأن هذا مكتوب لهما ولك.. ولعل الله أن يصلحها فيك.. فعليك بالدعاء
مرت تلك اليلة بسلام ولم تحتاج للخروج..
فلما كان الليلة الثانية.. طلبت منا الماء أنا و رفيقتي.. ووزيرتي بارك الرحمن بها .ونور قلبها..
حاولت أن أتقرب لتلك الشابة.. وأتودد إليها .. ولكنها لم تعرني اهتماماً ..وفضلت التنحي عنا جانباً ..
وهي تتلو كتاب الله.. أعظم الرحمن أجرها.. وأصلح قلبها.. ويسر أمرها..
فلما قرب موعد صلاة القيام ..سألتها خالة تبين الدورات..
أجابت بنعم.. قامت مرافقتي تريد أن ترافقها .. فأبيت لرقة جسمها وقلة خبرتها.. وقلت : لا أنا أكفي ..
ذهبنا لأبراج قريبة مشهورة بها دورات عامة .. فلما دخلنا إذا بها تغص بالناس.. فأرشدونا إلى دورات في الطابق العلوي..
ربما كانت أخف ازدحاماً.. صعدنا . وهالني ما رأيت من كثرة الشباب من الجنسين ..
يتسوقون.. وكانت الأدوار الثلاثة أو الأربعة الأولى من الأبراج أسواقاً..
فلما انتهينا .. وخرجنا .. إذا بالأسواق تغص بالنساء والشباب .. وقد غطت المكان ضحكاتهم وهمساتهم..
وكأني لست بمكة.. فضلاً عن كوني بالحرم.. بنات من شتى الأعمار .. وشباب كذلك..
آلمني قلبي .. وخفت أن يحل غضب من الجبار علينا فأسرعت بتلك الطيبة .. وأنا أكاد أقبل رأسها ..
فقد كانت تسبّح وتهلّل .. غاضّة صوتها.. متلفعة بعباءتها.. تقطر حياء..
هرب إليها الحياء يطلب مأمنه.. حين شرد وطرد من موطنه..
ترك العذارى .. فتلقفنه العجائز الحيارى..
وصلنا الباب الخارجي فإذا الصلاة قد قامت والصفوف قد انتظمت..
قراْءة ترقق القلب .. وفتن تزيل
اللب.. ليس يفصل بينهما إلا جدران وأبواب..
اجتزنا تلك الجموع بصعوبة .. ونحن نستغفر .من مزاحمة الرجال وكثرة الإحتكاك بهم ..
ولا شك أن ذلك مما يحرم على المرأة إلا لسبب..
ولولا تفقد الأخوات وطلب نفعهن ..وإصلاح أمرهن .. ما فارقنا مساجد الدور.. فهي أعظم للأجور..
ولكن كما ذكر شيخنا العثيمين ..: نفع الخلق والسعي في مصالحهم . وتوعيتهم بأمور دينهم ..
أحب الأعمال إلى الله في هذه الأيام لتعدي نفعها..
وصلنا ..وأنا لا أكاد أستبين من فيض عيوني الطريق .. ..وقلبي كأنما أشعل به حريق..
فقد كان جريحاً جازعًا ..لمعاملة تلك الشابة لهذه المسكينة.. التي أهدت لها فلذة كبدها..
ربته ورعته وتحملت مصاعب تربيته صغيراً.. وأهدته لها راشداً ناجحاً كبيراً..
لتنعم بحبه .. وتأنس بقربه.. وتتقلب في نعمه..
أهذا جزاء الإحسان ..؟

وزاده جرحاً وألماً حتى غدى كالطائر الجريح..
الحال التي رأيت في تلك الأبراج..
ألهي رحماك بنا رحماك..

رباه

إن لله عباداً فارقوا الأولاد والدوروالقصور..
وانفقواالأموال , وقطعوا الفيافي والقفار ..يبغون الأجور..
وأبناؤنا بجوار بيت الله يلهون..
وبحرماته يعبثون..
ربنا لاتؤاخذنا بما فعل السفهاء منا...
وصلنا للكان الذي كنا به.. وأدخلت تلك الفاضلة بين الصفوف.. ودخلت وأنا في حال ربي بها عليم..
.
عذب فرات.
بالغ العذوبة..
.
فأراد سبحانه .. أن يطفئ حريق فؤادي .. ويغسل أحزاني
.. فأسمعني .. دعاء رفيقتي ومجاورتي..
ياحي ياقيوم ..ياذا الجلال والإكرام .. إن كنت قدرت وكتبت في سابق علمك .أنك مستجيب لدعوة مني ..
فاجعلها لأمة حبيبك صلى الله عليه وسلم.. نصراً وعزاً وتمكيناً .. وعودة وصلاحاً لرجالهم ونسائهم..
علماؤهم وعامتهم.. وإن لم تقدر وتكتب .. فاكتب وقدّر الآن .. الآن يارب..الآن يــــــــــارب..
أما حالي ومآلي .. فأكله لرحمتك التي وسعت كل شيئ..
كانت صغيرة عمر .. حديثة سن
..
ولكن همتها وهمها رفعتها فوق من هم أكبر عمراً وسناً..
نزلت دعوتها تلك على قلبي الحزين نزول الغيث على أرض أجدبت..
وأنسكبت به انسكاب الماء البارد على على كومة قش احترقت..
وهبت عليه كريح طيبة لما به أذهبت.. وله أنعشت..
فسبحان من يثيب ويعاقب..
ويرحم ويعذب..
.
ولا زال القلم نازفاً..
.
.




يا زائري كن بقيمك ومبادئك في مجتمعك كالشامة في الوجه تزيده حُســناً .!!