في كل عام تجتمع جموع العمّار والحجاج في بيت الله الحرام ..
ينتابني إحســاس جميل ..
ويخيل إلي أني أعيش في زمن الخلافة الراشدة..
أو الدولة الإسلامية الواحدة..
فهناك أجد الشامية والمصرية والمغربية..والليبية . واليمنية والتركية.. مع الشرق آسوية مع الأفريقية..
ومن شتى أقطار المعمورة..
يجمعهن مكان واحد ونظام واحد.. يصلين خلف إمام واحد..
فلاتمائز بين الجنسيات في المكان ولا في النظعام..
فيرق قلبي لفقيرهم وأرجو الخير من غنيهم فالكل هنا مقبل على الله ..
يرجو رحمته ويخشى سطوته.. ولكن ومع كل هذا التشابه تجدهم متباينين.مختلفين . ولذلك خلقهم..
فمنهم الهين اللّين الرحيم..
ومنهم الجلف الجافّ القاسي.
ومنهم رقيق القلب سريع الدمع ..
ومنهم قاسي القلب جامد العين..
وهي فرصة عظيمة للأختلاط بهن ومعرفة أحوالهن.
فمنهن الجاهلة المتشوقة إلى من يعلمها .. ومنهن صاحبة المنهج الخاطئ الي لم تجد من يرشدها..
ومنهن ثقيلة الهموم المحتاجة إلى يد تعينها .. وقلب يساعدها على حمل همومها..
يؤلمني من بعض نسائنا الترفع عنهن.. والتأفف من القرب منهن.. والنظرة الدونية لهن..
وبالذات ذوات الفقر والحاجة منهن..
فوالله ما ندري من المرحوم منا .. ومن صاحب السبق بالفوز من تلك الجموع..
ولكن ورد لأهل الجنة أوصاف .. كل ضعيف متضعف.. وكل أشعث أغبرذو طمرين..
ألمهم رأيت وعشت مشاهد , ومواقف متباينة..
منها العذب الفرات ..
الذي ينعش النفس ويذهب الظمأ ..
.. ومنها الملح الأجاج..
الذي يزيد العطشان عطشاً والجرح النازف ألماً..
فأحببت أن تشاركوني تلك المشاهد والمواقف ..
لعلنا نهتدي إلى حيلة تبقي عذوبة العذب.. وتعالج الأجاج ليعذب..
حرت وحار لبي بأيهما أبدأ..
أأبدأ بالعذب ثم ألحقه الأجاج ليقطع تلك العذوبة ..
أم أبدأ بالأجاج ثم أتبعه الفرات لتستلذ الأنفس مذاقه وطيبه..
ولكن هل تستطيعون تجرع تلك الجرعات من ذلك الملح .قبل أن يأتيكم العذب..
فتزيلون طعمه به وتذهبونه..
وأستقر رأيي أخيراً ..
على
أن تكون أزواجاً ..
جرعة أجاج . بعدها لذة فرات..
فأليكم أولها
وليعينكم الله على تحملها..
المشهد الأول
( 1 )
مالح بالغ الملوحة..
كانت إمرأة كبيرة في السن .. ومعها فتاة شابة . يبدو أن بينهما نقاش ..
سمعتها تتوسل لها : أكاد أموت من العطش ..ارحميني ..
وبعد حوار طال ونقاش شابه جدال ..
قامت الفتاة الشابة وهي تتأفف إلى الماء وأحضرت لها كاساً واحداً..شربت المرأة الكبيرة ..
ولكنها لم تلبث أن طلبت الماء مرة أخرى . في هذه المرة كان صوتها واضحاً وعالياً مما حدا بالشابة أن تتنحى عنها جانباً..
وهي تقول : ماعندي شغل غيرك .. ماء .. حمام ..
اقتربت منها : خير ياخالة تبين شيئ..
قالت : ماءيابنيتي .والله يكبدي بيقطعها الظمأ .ولا ودها تسقيني..
ثم ذكرت أنها مصابة بمرض ما .. عافاها الله ومرضى المسلمين.. تشعر معه بظمأ شديد ..
وتحتاج للدورات المياه أيضاً بكثرة بسبب كثرة الشرب..
سألتها : هل منعك الطبيب من الماء .. قالت : لا والله يقول أشربي براحتك.. بس الحمام(أكرمكم الله) المشكلة..
كانت تلك الشابة ترمقنا بالنظر ..ثم تعاود قراءة القرآن..
ذهبت وأحظرت لها ثلاثة أكواب من الماء.. وقلت لها : ماء زمزم لما شرب له . فاشربيه بنية الشفاء.. شفاء القلوب والأبدان ..
وسوف ترين الخير بإذن الله.. فلما رأت الأكواب بيدي .وأنا أشجعها على شربها. قفزت وحالت بيني وبينها ..
وهي تقول :
وثلاثة بعد..لو سمحت من حسن إسلام المرء ترك مالايعنيه..
ابتسمت لها : وأنا أخاطب تلك الأم : اشربي وتضلعي من ماء زمزم .. فإنه من علامة النفاق عدم التضلع من ماء زمزم..
( انظروا رسالة ..ماء زمزم .. لــ د/ الشريف حاتم العوني..
وإذا ودك زيادة ابشري..
وإذا على دورات المياه أنا هنا إلى بعد القيام الأخير.. ومستعدة أذهب بك إليها..
أخذت تشكر وتدعوا ..أما تلك الفتاة فقد انسحبت قليلاً وهي تتمتم : ياشين اللقافة..
فرحت بسرور تلك الأ
المزيد